Print this page

التونسيون و صندوق النقد  الدولي :  نفور مبرر أم مبالغ فيه ؟؟؟

بالرغم من أننا لا نمتلك أرقاما إحصائية علمية متعلقة

بموقف التونسيين إزاء صندوق النقد الدولي فإنه يمكن القول بأن الإنطباع السائد هو أن التونسيين يكنون تحفظا و خشية و ربما نفورا من هذه المؤسسة المالية الدولية.

و يسود انطباع عام بأن هذا الصندوق تتحكم فيه الولايات المتحدة الأمريكية حليفة إسرائيل و أن الشروط التي يطرحها عند طلب الحصول على قروض تمس بالسيادة الوطنية إضافة إلى طبيعتها اللبرالية التي تضر بمصالح الطبقات الشعبية.

تونس عضو مساهم في الصندوق و أمريكا لا تسيطر عليه

تأسس صندوق النقد الدولي سنة 1945 و يضم 190 بلدا عضوا أي تقريبا كل بلدان العالم. و هو مؤسسة مالية تابعة للأمم المتحدة مثل المنظمة العالمية للصحة و اليونسكو و منظمة العمل الدولية و اليونيسيف و مفوضية اللاجئين و البنك الدولي غيرها. و بالتالي ليست تابعة كما يعتقد البعض لأمريكا بالرغم أن لها نفوذ في الصندوق يفوق نسبيا  بقية الأعضاء. و يتكون رأسماله أساسا من مساهمات تلك الدول حسب الناتج الوطني الخام. فعلى سبيل المثال فإن حصة أمريكا هي %16 و الصين %6 و فرنسا  %4..و يتم اتخاذ القرارات في هيئات الصندوق بالتصويت بالأغلبية و كل بلاد لها حجم تصويت حسب حجم مساهمتها المالية في الصندوق. و لا تمتلك أمريكا حق الفيتو في الصندوق و لكن بعض القرارات الجوهرية تتطلب أغلبية ب85 بالمائة و هو ما يعطي أمريكا إمكانية عرقلة بعض القرارات.

و تونس ليست غريبة عن هذا الصندوق بل هي عضو مساهم فيه منذ انخراطها بالصندوق في فجر الإستقلال سنة 1958 مثلما اكتسبت عضوية جميع المنظمات الدولية الأخرى التابعة للأمم المتحدة. و كانت مساهمتها آنذاك ( الكوتا) في رأس مال الصندوق ب12مليون دولار. و تطورت مساهمة تونس في رأسمال الصندوق على مر السنين لتبلغ سنة 2016 ما يناهز 545 مليون دولار و تمثل مساهمتها 0,14% من ميزانية الصندوق. و بالتالي فعندما تطلب تونس قرضا من الصندوق فهي لا تتسول منه بل هي تطلب حقها في الإقتراض من صندوق ( أو بنك)  تساهم فيه بصورة منتظمة مند 70 سنة تقريبا. و قد أعتمدت تونس غلى صندوق الدولي منذ الإستقلال و خاصة خلال فترة الأزمة المالية الكبرى بين سنتي 1986 و 1992 ثم في السنوات التي تلت الثورة و ساعدها في تجاوز أزمات خطيرة مرت بها البلاد. من ناحيتها تمكنت تونس و لا تزال من الوفاء بالتزاماتها تجاه الصندوق مسددة أقساطها في الآجال

الإقتراض من صندوق النقد الدولي : فوائده و شروطه

كما أشرنا سلفا فإنه من حق تونس و ليس منة في أن تقترض من صندوق عالمي تحت سلطة الأمم المتحدة هي تساهم في رأسماله منذ 70 سنة.

و يخول  الإقتراض من صندوق النقد الدولي من ضخ الأموال مباشرة في خزينة الدولة و يضخها بالعملة الصعبة حتى تتمكن الدولة من استيراد حاجياتها الأساسية بالعملة الصعبة و خلاص ديونها و تعزيز رصيدها من العملة الصعبة. على عكس  البنك الدولي الذي لا يضخ في خزينة الدولة مباشرة و إنما يمول المشاريع الكبرى مثل طريق سيارة أو محطة توليد كهرباء. و يتميز الصندوق بنسبة فائدة مقبولة  حوالي  %3-4 و فترة سماح تمتد على 4 سنوات ( ليتمكن الإقتصاد من التعافي) و يتم التسديد على حوالي 10 سنوات. و الأهم من كل ذلك أنه قد يكون الحل الأخير في أجواء أزمة خانقة تجعل السوق المالية رافضة لتمويل البلاد في ظروف من عدم اليقين. كما أن الحصول على قرض من الصندوق يشيع أجواء من الثقة في السوق المالية تسهل الحصول على قروض من مؤسسات أخرى بنسب فائدة معقولة.

و لكن في مقابل هذه الفوائد فإن صندوق النقد الدولي يشرط قروضه بالقيام بإصلاحات اقتصادية ضرورية حسب رأي خبرائه. بالمقابل لا يمكن لصندوق النقد الدولي أن يفرض شروطه على البلد المقترض. فهو اتفاق يتم عقده بين الصندوق و البلد المعني بالقبول المتبادل مثل أي حريف يقترض من البنك الذي يضع فيه أمواله.

الحوار الحقيقي حول الإصلاحات و ليس حول الصندوق.

إن من معوقات الحوار هي السرديات الإيديولوجية اليسارية و الشعبوية و حتى الإسلامية الراديكالية التي ترفض صندوق النقد الدولي حتى و لو مكن بلادنا من قرض دون شروط و دون فائدة.  فبالنسبة لهم فالصندوق أداة بين يدي الصهيونية و  الإمبريالية أو الشيطان الأكبر (في رواية الإسلاميين الراديكاليين). و أن الحل حسب رأيهم  يمكن في النضال ضد الإمبريالية و أدواتها المالية ضمن جبهة عالمية تتشكل من أنصار شافيز في أمريكا اللاتينية  إلى الحرس الثوري الإيراني مرورا بالحوثيين. أما بعض السرديات الأخرى فهي تعلق أمالها على مجموعة  "البريكس" التي و علاوة على طابعها الهلامي و النظري فهي أصلا تضم أعتى الأنظمة الرأسمالية مثل الصين و روسيا و الهند و غيرها..علاوة على أنها في غالبيتها بلدان موغلة لا فقط في الرأسمالية الفاحشة بل أيضا في الإستبداد.

ليس هناك أهمية في رفض الصندوق أو قبوله. فهو في أخر التحليل بنك  تساهم فيه اغلب الدول بما فيها تونس  يقرض الأموال للدول  حسب شروط يتم الإتفاق عليها.

و لكن الأهم هو القضايا الوطنية التي ما ينفك الخبراء و  المصادر الحكومية نفسها عن إثارتها منذ سنوات مثل إصلاح المؤسسات العمومية التي تستنزف موارد الدولة و ترشيد سياسة الدعم و توجيهه لمستحقيه و التحكم في كتلة الأجور و تحرير التجارة الخارجية و تطوير آليات الإستخلاص الجبائي. و هي قضايا من الضروري نقاشها بصورة هادئة و بعيدا عن الإيديولوجيا بما يخدم مصالح التونسيين.

 

المشاركة في هذا المقال